في مثل هذا اليوم قبل عامين مضت أصبت بمرض نادر فجائي، يصيب شخصين الى أربعة في المليون نسمة، اسمه : متلازمة غيلان باري، نتج عنه شلل شبه كامل لجميع أطراف جسدي، فانطلقت رحلات ما بين الروح والجسد لاتزال مستمرة الى اليوم


حدث في مثل هذا اليوم
كل من سبق له أن أسر من الداخل يمكنه أن يجد نفسه بسهولة فيما سأرويه بشكل غير مطول عن هذا الداء، وليس فقط من يعرف الألم يمكنه تفهم الداء بل حتى من احتضنونا من داخله -الألم- يمكنهم قراءتنا بسلاسة مادامت لديهم القدرة التلقائية على تفهم آلام الآخرين.

متلازمة غيلان باري (بالفرنسية Le syndrome de Guillain-Barré ‏) ويطلق عليه أيضاً اسم التهاب الأعصاب الحاد المزيل للنخاعين (Acute inflammatory demy linating polyneuropathy‏). كما يعرفه الأطباء، اضطراب يصيب الجهاز العصبي فيصيب الجذور العصبية ثم ينتقل لإصابة الأعصاب المحيطة (اليدين والأرجل).  ويزيل المرض الغشاء المحيط بالأعصاب، وعادةً يبدأ على مستوى الجذور العصبية ثم يمتد للأعصاب المحيطة، فالشلل الشامل أو شبه التام.

يمكن للمرض أن يصيب أيا كان وفي أي عمر، ولاعلاقة لبروزه بأي قصة حيوية سابقة مهما كانت شديدة الوضوح. مجهول السبب واكتشف منذ عام 1859 على يد الطبيب الفرنسي جون لاندري، وفي "عام 1916 شخص الطبيبان جوج غيلان والكسندر باري حالتين واكتشفا مفتاح التشخيص وليس العلاج، بارتفاع عيار البروتين الكلي والألبومين، بدون ارتفاع تعداد الكريات البيض". وهكذا أخذ المرض جزءا من التسمية نسبة لـ"مكتشفيه".

بالمستشفى خضعت لشتى الفحوصات، والترويض مستمر منذ اليوم الأول للتعرف على المرض، عشت حياة في غاية الفرادة تنوعت مكوناتها ما بين آلام المرض القوية والليالي البيضاء الشهيرة والكثير من الشعور بالغرابة والاندهاش من جراء شل اطراف شخص كان لاينام الا اضطرارا من فرط حبه للحياة المنورة والافتراضية أيما حب.

بالمستشفى نسيت ما قرأته بالصحف طيلة عمر، ولم استطع أو لم أرغب في متابعة مجازر غزة من هناك، وحتى الفلسطينيين الجرحى الذين صلّوا يوما بالقرب مني بمسجد المستشفى كانت تحيتي لهم خفيفة وكأن جرحي كان من نفس العيار. عيار مجزرة داخلية.
 
ماتت الصحف، واستيقظ الناموس، بحيث كنت ألهث مع كل وقعة ألم وراء شظايا حب في داخلي، كنت كمن يحصي الرماح في كينيا أو حبيبات الرمل، أتواصل مع الألم بتحايا أفضل منها. كانت أياما لله خالصة.

مرض ولا أقوى الى اليوم في التفكير بماهيته وبدئياته ولا أقوى إلى الآن على الاستمتاع ببانوراما حيوية جسد قد ولت. كنت مجبرا على التفلسف بالوضع والتأمل به مثلي وبقية خلق الله المترامين في السجون الفسيحة لأجسادهم بالقرب مني بالمستشفى حيث كنت أعالج. ومن لايصير حكيما بعد مرض عضال ؟؟

لكن لن يعجز لساني الذي لم يتوقف لحمد الله طيلة الأيام والشهور العصيبة للمرض، على شكر وابداء علامات الحب المتواصل للانسانة شريكة ما تبقى من عمر، على مهنيتها الانسانية وذوقها العالي في محبة الله والرأفة بانسان دفن حيا وبشكل مؤقت داخل جسده. شكر مفتوح إليها بفساحة السماء، وإلى ما ثبت من أحبائي وأقربائي وأطبائي وأصدقائي العظام، كل بحمضه النووي منقوص الأكسجين (ADN)...

ودمتم أصحاء رحماء فيما بينكم


طارق السعدي